الجمعة، 24 أكتوبر 2008

حوار جارين عدوين


حوار جارين عدوين


في خضم حيرة شديدة عصفت بذهني بين الفعل وعدم الفعل، بين القيام بواجب كلفت به نفسي، وبين ترك الأمر للظروف، قررت أن ألغي عقلي وقلبي، لأقوم برحلة داخل أعماق النفس، أفسح خلالها المجال أمام أذنان أسترق بهما السمع، حين توقفا أمام عتبة جارين عدوين لدودين، لينصتا لذلك الحوار الفريد بين هوي، أراد أن يحدوني لكل متع الحياة، وبين عزيمة لم ترض لي بأقل من الكمال، مع أن الوصول إليه درب من المحال.

الهوي: أنا حادي الناسَ إلي كل سعادةٍ ولذةٍ ومتعة.
العزيمة: وأنا لا أأخذُ بأيديهم إلا إلي كل مجدٍ وشرفٍ وبطولة. ولا يتبعني إلا كل تواقٍ إلي السمو والرفعة. أما أنتَ فلا يطيعُك إلا كل ضعيفٍ بطال.
الهوي: ليس لي سلطانٌ علي أحدٍ حتي يتبعَني، لكل إنسان عقلٌ يختارُ به.
العزيمة: أنتَ عنوانٌ لكل مفسدةٍ وشر، أما أنا فمفتاحٌ كل بركةٍ وخير.
الهوي: لا مفسدة لدي ولا شر، بل ما ثم إلا تحرر من كل قيد.
العزيمة: يكفيني أنه لم تطرق البطولة من باب إلا وأنا عَتَبَتُه، ولم يطلبِ العز في طريقٍ إلا وأنا حادِيَتُه. أما أنت فلا يسعي أحدٌ لكمالٍ إلا لَولَيتَ له ولاليت. (لوليت: أي قلت لولا كذا لكان كذا. ولاليت: قلت لا فالأمر صعب المنال)
الهوي: أنتِ طريقُ المكاره والصعاب. لا يسلكه إلا كل معقد وكئيب. فأنتِ أشقُ الطريقين، وأصعبُ الخيارين.
العزيمة: وأنتَ مطيةٌ لكل فتنة، وموطنٌ لكل بلية. ما تبعك أحدٌ وسَلِم، وما حل بك ضيفٌ وغنم.
الهوي: أنتِ أيتها العزيمةُ مرادفةٌ لكل كدٍ وشقاء، وتعبٍ وعناء، وسهادٍ وتعساء.
العزيمة: أما أنتَ فتغر الناسَ بطيبِ الملاهي، وتفتنهم بحسن العواري، مع أن مدةَ لهوِ أصحابك منقطعة، وعاريتك لهم مصطنعة، مقارنة بلذةِ الوصولِ إلي الكمال، وحيازةِ ما كان صعب المنال.
الهوي: أنا أفك للناسِ كل قيد، وأحررهم من أية عبودية. لأتركهم طلقاء في فضاء ما يشتهون، ومنتهي ما يتمنون. وهذا مطمح كل سعادة ونعيم، ومناط كل لذة وسرور.
العزيمة: كذبت، بل تحررهم من معالي الأشياء، وتتركهم عبيدا لسفاسف الأمور. فلئن حررتهم من الإيمان بالله وبالقرآن ، فلا يزالون عبيدا لأنفسهم وللشيطان.
الهوي: أنا قوي بضعفي، أما أنت فضعيفة رغم قوتك. فمريدي كثيرون، ومريدوك قليلون.
العزيمة: يكفيني قوة أنني عنوان لكل من بلغ به الولاء للكمال ذروة التمام، وأعالي الهام، ومنتهي الانتماء، وأحاسن الوفاء وغاية العطاء.
الهوي: أوليس يكفيني أنني الأقرب إلي نفس كل إنسان، وطريقي إليها سهل معبد.
العزيمة: أنت تفضح ما في النفس من وضاعة ودناءة، وخسة وانحدار. أما أنا فأستخرج منها كوامنَ ملكاتِها وقواها، لأرقي بها إلي سموها وعلاها.
الهوي: زينَ للناسِ حب الشهواتِ من النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذهبِ والفضةِ والخيلِ المسومةِ والأنعامِ والحرث. ذلك متاعُ الحياةِ الدنيا.
العزيمة: والله عنده حسن المئاب.

إلي هنا توقف الحوار بين كل منهما، حيث قبع الهوى في خندق الزينة الغَرور في (زين للناس) وتترست العزيمةُ وراء الحسنِ السرمدي في (والله عنده حسن المئاب)، في انتظار وساطةٍ نزيهةٍ لعقلٍ رشيد، أو تحكيمٍ عادلٍ لقلبٍ سديد. وإلا فمعركة فاصلة، تنهي ذلك الخلافَ الأزلي بين جارين عدوين لدودين، سكنا نفس الإنسان، منذ بدأ الخليقة.
وللحديث صلة إن شاء الله.

هناك 9 تعليقات:

saragebaly يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

دائمآ ما تمس مواضيعك وقائع نعيشهل كل يوم وربما في اليوم الف مرة

بداخل كل منا معارك لا يعلمها ولا يشهدها الا هو
معارك النفس من اصعب المعارك لا يقف اماها الانسان الا مكتف الايادي ربما ليس لديه القوى ليتدخل ويحسم المعركة وربما لانه يود ان ينتظر ليرى النهاية بعينيه


العزيمة والهوى معركة من اصعب المعارك والتى نود دومآ ان تنتهي بانمتصار العزيمة وسقوط الهوى
لان انتصار العزيمة انتصار دائم اما انتصار الهوى انتصار مؤقت ربما وقته لم يتعد بضع دقائق

.........

في انتظار وساطةٍ نزيهةٍ لعقلٍ رشيد، أو تحكيمٍ عادلٍ لقلبٍ سديد. وإلا فمعركة فاصلة، تنهي ذلك الخلافَ الأزلي بين جارين عدوين لدودين، سكنا نفس الإنسان، منذ بدأ الخليقة.


ولنضع في اعتبارنا
ان انتهاء الخلاف ما هو الا انتهاء مؤقت
فهذا النوع من المعارك يتكرر دومآ وبدون سابق انذار

تحياتي لك ولقلمك
وفي انتظار البقية

دمت بكل الخير

سارة

خواطر ليست عابرة يقول...

صديقتي سارة
أشكر لك تعليقك الجميل الذي اقتربت به كثيرا من ملامح شخصيتي حين قلت أن مواضيعي تمس وقائع نعيشها كل يوم فأنا بالفعل أحب ألا أبتعد عن الواقع بالرغم من أن الحوارات التي أكتبها ربما تكون متخيلة.
كلامك الرائع يعبر عن تفاعل حقيقي مع ما تقرأين بما ينم عن شخصية تتسم باجتماعية وتآلف كبيرين. فلك جزيل الشكر.

بلسم الجراح يقول...

والصراع بين الكبت والتحرر يرادف كل هذا ولكننا لا نعي دائماً ولا نشعر بهذا الصراع الداخلي لأنه خافت
شكرا علي رؤيتك لهذا الحوار

je t'attends le jeudi ,, oublie ?

صبرني يارب يقول...

تحياتي لك على الفكره والكلام

وفى انتظار الباقي

تحياتي لك تاني

princess يقول...

السلام عليكم
المعركة دى معركة ابدية هتفضل كده الاما لانهاية
ودائما الى بيحدد النتيجة الانسان نفسه
وكل انسان على اد قوته ورغبته فى اختيار الطريق اللى عايز يمشى فيه
تحياتى

خواطر ليست عابرة يقول...

صديقي / بلسم الجراح

نعم الصارع بين الكبت والتحرر يرادف ذلك ولكن أختلف معك في أن ما ذكرته من صراع هو من قبيل الصراعات القلبية أما صراع الكبت والتحرر فصراع فكري عقلي.
شكرا علي التعليق وثمة شيء آخر أريدك يا صديقي أن تعلمه عني مع طول العشرة بيننا ةالعيش والملح إلا أنك ربما لم تلحظه ألا وهو أنني


quand je donne un rendez vous à un ami, je fais tout le possible pour ne pas rater l'occasion de le rencontrer. J'ai beaucoup de paroles à te dire. je souhaite venir te rendre visite le jeudi prochain.

خواطر ليست عابرة يقول...

صديقتي princesse

t'as raison, le conflit persistera sans fin, car l'homme a été créé avec les deux cotés de la vie:le bien et le mal. et dans les fonds du meme homme il y a le désir et la raison.

merci pour ton commentaire

كـــيــــــــارا يقول...

الفكره جديده

بس انا مش فهمت تقصد ايه بالهوي ؟؟

خواطر ليست عابرة يقول...

صديقتي كيارا

أقصد بالهوي كل ما يصد الانسان عن تحقيق منفعة دنيوية أو أخروية أو يوحي له بتحقيقها عبر وسائل غير صالحة.

أما عن المعني اللغوي:

الهَوَى هوى النفس والجمع الأَهْوَاءُ
هَوَى يَهْوِي سقط إلى أسفل
و هَاوِيَةُ اسم من أسماء النار قال الله تعالى {فأمه هاوية} أي مستقرة النار