
الهوي: أنا حادي الناسَ إلي كل سعادةٍ ولذةٍ ومتعة.
العزيمة: وأنا لا أأخذُ بأيديهم إلا إلي كل مجدٍ وشرفٍ وبطولة. ولا يتبعني إلا كل تواقٍ إلي السمو والرفعة. أما أنتَ فلا يطيعُك إلا كل ضعيفٍ بطال.
الهوي: ليس لي سلطانٌ علي أحدٍ حتي يتبعَني، لكل إنسان عقلٌ يختارُ به.
العزيمة: أنتَ عنوانٌ لكل مفسدةٍ وشر، أما أنا فمفتاحٌ كل بركةٍ وخير.
الهوي: لا مفسدة لدي ولا شر، بل ما ثم إلا تحرر من كل قيد.
العزيمة: يكفيني أنه لم تطرق البطولة من باب إلا وأنا عَتَبَتُه، ولم يطلبِ العز في طريقٍ إلا وأنا حادِيَتُه. أما أنت فلا يسعي أحدٌ لكمالٍ إلا لَولَيتَ له ولاليت. (لوليت: أي قلت لولا كذا لكان كذا. ولاليت: قلت لا فالأمر صعب المنال)
الهوي: أنتِ طريقُ المكاره والصعاب. لا يسلكه إلا كل معقد وكئيب. فأنتِ أشقُ الطريقين، وأصعبُ الخيارين.
العزيمة: وأنتَ مطيةٌ لكل فتنة، وموطنٌ لكل بلية. ما تبعك أحدٌ وسَلِم، وما حل بك ضيفٌ وغنم.
الهوي: أنتِ أيتها العزيمةُ مرادفةٌ لكل كدٍ وشقاء، وتعبٍ وعناء، وسهادٍ وتعساء.
العزيمة: أما أنتَ فتغر الناسَ بطيبِ الملاهي، وتفتنهم بحسن العواري، مع أن مدةَ لهوِ أصحابك منقطعة، وعاريتك لهم مصطنعة، مقارنة بلذةِ الوصولِ إلي الكمال، وحيازةِ ما كان صعب المنال.
الهوي: أنا أفك للناسِ كل قيد، وأحررهم من أية عبودية. لأتركهم طلقاء في فضاء ما يشتهون، ومنتهي ما يتمنون. وهذا مطمح كل سعادة ونعيم، ومناط كل لذة وسرور.
العزيمة: كذبت، بل تحررهم من معالي الأشياء، وتتركهم عبيدا لسفاسف الأمور. فلئن حررتهم من الإيمان بالله وبالقرآن ، فلا يزالون عبيدا لأنفسهم وللشيطان.
الهوي: أنا قوي بضعفي، أما أنت فضعيفة رغم قوتك. فمريدي كثيرون، ومريدوك قليلون.
العزيمة: يكفيني قوة أنني عنوان لكل من بلغ به الولاء للكمال ذروة التمام، وأعالي الهام، ومنتهي الانتماء، وأحاسن الوفاء وغاية العطاء.
الهوي: أوليس يكفيني أنني الأقرب إلي نفس كل إنسان، وطريقي إليها سهل معبد.
العزيمة: أنت تفضح ما في النفس من وضاعة ودناءة، وخسة وانحدار. أما أنا فأستخرج منها كوامنَ ملكاتِها وقواها، لأرقي بها إلي سموها وعلاها.
الهوي: زينَ للناسِ حب الشهواتِ من النساءِ والبنينَ والقناطيرِ المقنطرةِ من الذهبِ والفضةِ والخيلِ المسومةِ والأنعامِ والحرث. ذلك متاعُ الحياةِ الدنيا.
العزيمة: والله عنده حسن المئاب.
إلي هنا توقف الحوار بين كل منهما، حيث قبع الهوى في خندق الزينة الغَرور في (زين للناس) وتترست العزيمةُ وراء الحسنِ السرمدي في (والله عنده حسن المئاب)، في انتظار وساطةٍ نزيهةٍ لعقلٍ رشيد، أو تحكيمٍ عادلٍ لقلبٍ سديد. وإلا فمعركة فاصلة، تنهي ذلك الخلافَ الأزلي بين جارين عدوين لدودين، سكنا نفس الإنسان، منذ بدأ الخليقة.
وللحديث صلة إن شاء الله.